المدونة
 /
كواليس تغطية "إيجاب" لحرب إيران
دراسة حالة
Case Study

كواليس تغطية "إيجاب" لحرب إيران

من طهران إلى ميناب، تروي لينا الورداني كيف عملت إيجاب مع صحفيين داخل إيران لتوثيق قصص الناس، والتحقق من الوقائع، وحماية من رواها قبل نشرها في وسائل إعلام دولية.
Illustrative map of Iran with Minab marked near the southern coast.

في 27 فبراير، كانت لينا الورداني، محررة إيجاب، تحتفل بعيد ميلادها في الجونة على ساحل البحر الأحمر حين بدأت الأخبار تتوارد عن الحرب في إيران. عند الثامنة صباحاً، كانت أمام حاسوبها من جديد. لم تبدأ بالبحث عن قصة، بل بالاطمئنان إلى صحفيي إيجاب في إيران. كان أحدهم يحاول العودة إلى بيته عبر شوارع لم تعد آمنة. وبعد ساعتين، بدأت طلبات التكليف تصل من مؤسسات إعلامية دولية.

على مدى الأسابيع التالية، عمل محررو إيجاب مع مراسلينا في الميدان على تطوير الزوايا، وتحرير النصوص والتحقق منها سطراً بسطر، وحماية المصادر، وإيصال قصص لم تكن متاحة لغيرهم. تلقينا ستة تكليفات في اليوم الأول وحده، ثم ما بين خمسة وعشرة تكليفات يومياً لأسابيع.

هنا تروي لينا، بصوتها، كيف أُنجزت تلك التغطية، وما الذي يمكن لغرف الأخبار أن تتعلمه منها.

كيف بدأ الأمر

تركت الطعام على المائدة، وعدت إلى غرفتي، وفتحت حاسوبي وهاتفي. لم تكن خطوتي الأولى تحريرية؛ أردت أن أتأكد من سلامة صحفيينا في إيران.

كان أحدهم في طريقه إلى العمل وسط طهران عندما بدأ القصف. حاول الوصول إلى مكان آمن، لكن ذلك لم يكن سهلاً. طلبت منه أن يحتمي وأن يراسلني حين يستطيع. قال إن الاتصال بالإنترنت متقطع، وإنه قد يغيب فترة.

قلت له: لا تفكر الآن في إعداد تقرير. دوّن ما تستطيع على هاتفك أو في دفتر: ما تراه وتسمعه، والتفاصيل الصغيرة؛ ماذا أكلت على الغداء؟ وهل تمكنت من إعداد القهوة؟ وعندما يتوفر الاتصال، أرسل ملاحظاتك إليّ وسأتولى صياغتها.

كيف عملنا

بعدما اطمأننت إلى سلامة الفريق، راسلت كل المؤسسات الإعلامية التي نتعاون معها: نحن هنا، ومحررونا ومراسلونا جاهزون؛ أخبرونا بما تحتاجون إليه. ثم عدت إلى المراسلين: من كان آمناً، فليُرسل أفكاره. ومن لم يكن، فليبحث عن الأمان أولاً.

خلال ساعة، فتحنا مستنداً مشتركاً وبدأ المحررون يكتبون المقترحات. أرسلناها بسرعة، مع اختيار الزاوية المناسبة لكل مؤسسة. كان ذلك يوم سبت. وبعد ساعتين بدأت التكليفات تصل: ستة في اليوم الأول، ثم بين خمسة وعشرة يومياً طوال أسابيع.

أكثر ما أعتز به هو ما قررنا ألا نغطيه. لم نسعَ إلى نشر حصيلة يومية للقتلى؛ كانت وكالات الأنباء تفعل ذلك، وبموارد تفوق موارد فريق صغير مثلنا. اخترنا أن نروي كيف يعيش الناس الحرب.

أجرينا مقابلات يومية مع إيرانيين يعيشون تحت القصف. لم نبحث عن تصريحات المسؤولين أو تحليلات الخبراء أو الأرقام وحدها. أردنا قصصاً تنقل رائحة المخابز، وضجيج الشوارع، وما يقوله الناس همساً في بيوتهم.

روينا كيف استضاف جيران في طهران طلاباً عجزوا عن العودة إلى منازلهم. ونشرنا يوميات من مدينة تعيش على وقع صفارات الإنذار والدخان، وقصة عن طوابير الخبز والشوارع الخالية، حيث أصبح الخروج من المنزل مخاطرة محسوبة.

ظهرت قصص أخرى في Wired، وThe New Arab، وThe New Humanitarian، وTRT World، وDrop Site News. وفي الأسابيع التالية نُشرت تغطياتنا أيضاً في Zeteo، وThe Continent، والجزيرة. كان يصعب الحصول على هذه القصص من مصدر آخر، لأن قلة من المؤسسات كانت تملك مراسلين على الأرض.

ميناب

بعد قصف مدرسة ابتدائية ومقتل تلميذات في اليوم الأول من الحرب، أرسلنا صحفياً إلى ميناب، على بُعد 1200 كيلومتر من منزله في طهران. قاد سيارته اثنتي عشرة ساعة خلال الليل ليصل إليها.

في البداية، راودتني الشكوك. كان يستطيع الاتصال بالإنترنت بينما تعذّر ذلك على آخرين. سألته أين هو، وطلبت منه مشاركة موقعه، وأردت أن أفهم كيف تمكن من إرسال التقارير. طلبت التسجيلات بالفارسية وصوراً يمكن التحقق من مكان التقاطها. ولم أمضِ قدماً حتى تيقنت من صحة ما أرسله. ما نقدمه للمحرر يجب أن يكون صحيحاً؛ إذا فقدنا هذه الثقة، فقدنا كل شيء.

أرسل مقابلات مع العائلات، لكن أسئلته الأولى كانت عامة: كيف تشعرون؟ قلت له إنني لم أطلب منه أن يقطع الطريق طوال الليل ليسأل أباً مفجوعاً كيف يشعر بعد فقد ابنته. لا تسأل ذلك.

اسأل عمّا كانت الفتيات يرتدينه، وماذا أكلن في وجبتهن الأخيرة، وماذا أردن أن يصبحن حين يكبرن. صف المدرسة: سقفها وجدرانها وما بقي منها قائماً. عاد إلى العائلات والمدرسة، وجاء بالتفاصيل.

كانت النتيجة أقوى تغطية أنجزناها، ونشرتها Drop Site News، ثم تبعها تقرير من لامرد عن مقتل فتيات مراهقات في صالة رياضية. من أجل لحظات كهذه أعمل في الصحافة. إنها، بالنسبة إليّ، أفضل مهنة في العالم.

أسماء لم ننشرها

لم تحمل أي من هذه القصص اسم المراسل. اتخذتُ القرار حرصاً على سلامتهم، رغم اعتراض بعضهم. اسم الصحفي على قصته يساعده في بناء مسيرته المهنية، وقد حرمناهم من ذلك في وقت استحقوا فيه الاعتراف بعملهم أكثر من أي وقت مضى. شاهدوا قصصهم تُقرأ وتُتداول ويُشاد بها، من دون أن يستطيعوا القول إنها قصصهم. قال لي أحدهم: «رأيت تغريدتك وأردت أن أقول إن القصة لي وأتباهى بها، لكنني لم أستطع».

حمينا المصادر أيضاً. في تلك الحرب، لم يكن توقيع الاسم على تقرير من طهران مجرد تقدير مهني؛ كان خطراً قد يلازم صاحبه بعد أن تنتقل المؤسسة الناشرة إلى خبر آخر. لا توجد قصة تستحق تعريض صحفي أو مصدر للخطر. كان هذا أصعب قرار في عملي، وما زلت أراه القرار الصحيح.

أما المراسل الذي طلبت منه أن يكتب حتى عمّا تناوله على الغداء، فلم يكن لديه اتصال بالإنترنت إلا نادراً. كان يدفع مبالغ كبيرة ليُرسل إليّ بضعة أسطر في كل مرة. من تلك الأسطر وُلدت يوميات الحرب في إيران، وهي من أفضل ما نشرناه.

قيمة أن تكون قريباً من القصة

لم يكن معظم العمل بطولياً أو استثنائياً في ظاهره. كان يقوم على حكم تحريري نمارسه عشرات المرات كل يوم: أي قصة تناسب أي مؤسسة؟ ما الزاوية المناسبة؟ ومتى يجب أن تصل إلى المحرر؟ علينا أن نعرف من يبحث عن الجانب الإنساني، ومن يريد تحليلاً، ومن لديه مساحة للنشر تُغلق مساءً.

نحن فريق صغير من المحررين نطرح الأفكار، ونتحقق من الوقائع، ونحرر ونكتب بلا توقف، إلى جانب مراسلين بنوا معرفتهم وعلاقاتهم في الميدان على مدى سنوات.

كان محررو المؤسسات الناشرة يعودون إلينا بأسئلة؛ معظمها مفهوم، وبعضها يكشف المسافة بين غرفة الأخبار ومكان الحدث. سأل أحدهم: «هل لدينا تصريح مباشر من إيلون ماسك عن استخدام شبكات VPN في إيران؟». وسأل آخر عمّا كان يحمله مراسلنا في سيارته حين أوقفته نقطة تفتيش للحرس الثوري: لماذا خاف؟ هل كان يخفي شيئاً؟ كان يحمل هاتفه.

هذه هي الفجوة التي تسدّها إيجاب. ماذا يحدث حين يقرر أشخاص بعيدون عن الحدث ما يبدو معقولاً فيه؟ الصحفي الذي يعيش في مكان ما يعرفه على نحو لا يستطيع مراسل يصل إليه لأسبوعين أن يضاهيه. قد يجمع الصحفي الوافد الوقائع، لكنه غالباً ما يفوته سياقها وتاريخها وتفاصيل الحياة اليومية. وفي تلك التفاصيل يتضح معنى الحرب.

خلال أسابيع من ذلك الربيع، لم تعد هذه الفكرة نظرية. اعتمدت مؤسسات إعلامية دولية على تغطيتنا لأن شهادات الناس، والتحقق من المواقع، والتفاصيل التي جمعها مراسلونا ميدانياً لم تكن متاحة لوكالات الأنباء أو للصحفيين الزائرين في الوقت نفسه. ليس لأننا أذكى، بل لأننا كنا هناك، ولأن من عرفوا المكان وثقوا بنا ورووا لنا ما عاشوه.

خرجت من تلك الفترة منهكة إلى حد أنني بالكاد استطعت الوقوف. قد أقول إن الأمر كان يستحق، لكن ربما ليس هذا هو الدرس الصحيح. الدرس هو أن التعامل مع الصحفيين المحليين بوصفهم خبراء في مجتمعاتهم لا ينتج تغطية مقبولة فحسب؛ بل ينتج صحافة أفضل.

لدى إيجاب محررون ومراسلون على الأرض، في الأماكن التي تتصدر أخبارها العناوين الآن. وإذا كنتم تحتاجون إلى تغطية قصة سريعة التطور، فابدؤوا بالصحفيين الذين كانوا هناك قبل أن تصبح خبراً عاجلاً.

‍

كلّفوا صحفيين من الميدان

نصل غرف الأخبار بصحفيين يعرفون مجتمعاتهم، ونتولى دعم التكليف والتحرير والتحقق.
ابدؤوا تكليفاً معنا ←

القصة تحتاج إلى من يعرف مكانها.

تصل إيجاب غرف الأخبار الدولية بصحفيين محليين في أنحاء الجنوب العالمي. نساعدكم في تطوير الزاوية، وتحرير المادة والتحقق منها، حتى تصل القصة إلى جمهوركم بدقة وعمق.
تواصلوا معنا بشأن التغطية ←